لا تتوقف السلطات السعودية عن استهداف النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان عبر شتى الأساليب الممكنة. فعدا عن سياسة  تكميم الأفواه التي تمارسها بحقهم  واعتقالهم  وزجهم في سجون المجرمين بعد إخضاعهم  لجلسات من المحاكمة الغير العادلة، هنالك ما هو أكثر قساوة ومرارة، هو حرمانهم رجالاً كانوا أم نساء من أبسط الحقوق التي ممكن لسجين وراء القضبان أن يتمتع بها. حق الوصول إلى الرعاية الصحية أو حق الطبابة في حال احتاج إليها هو من أبرز الحقوق المسلوبة والتي تتعرض للانتهاك بشكل ممنهج ومن دون وجود آليات لحمايتها أو محاسبة من يصادرها.

هذه الحقوق  تتضاعف حاجتها عندما تكون المعتقلة إمرأة. الناشطة نعيمة المطرود، 42 عاما ، وهي ممرضة اعتقلت في 13 أبريل 2016. تحاكمها السلطات السعودية في أول قضية من نوعها ضد النساء اللواتي شاركن في التظاهرات والإحتجاجات التي شهدتها محافظة القطيف منذ العام 2011، والتي رُفعت فيها مطالب باحترام حقوق المواطنين المدنية والإنسانية وتحقيق العدالة الاجتماعية لهم. بدأت  أولى جلسات محاكمتها في المحكمة الجزائية المتخصصة بالرياض بتاريخ 10 أبريل 2017. ووفق تقارير حقوقية، عانت نعيمة المطرود من تدهور كبير في صحتها بسبب إصابتها بمرض فقر الدم الذي سبب لها ضعفاً ببصرها من دون أن تحصل على متابعة طبية لحالتها، وأشارت التقارير إلى أن المطرود واجهت التعذيب الجسدي أيضاً منذ بداية اعتقالها في سجن مباحث الدمام .

أما نذير الماجد الكاتب السعودي، 40 عاما، من منطقة القطيف أيضا والذي أثار قضايا حقوق الإنسان لعدة سنوات في المملكة، اعتقل في 18 يناير 2017  في قاعة المحكمة الجزائية المتخصصة في الرياض بعد أن حكمت عليه بالسجن لسبع سنوات بتهمة الخروج عن طاعة ولي الأمر والمشاركة في التظاهرات وكتابة مقالات بعضها يعود لسنة 2007، وغيرها من التهم المتعلقة بالرأي والتعبير. نُقِل الماجد  مباشرة بعد صدور الحكم إلى سجن الحائر في الرياض. ووفقا لتقارير موثوقة  تلقاها مركز الخليج لحقوق الإنسان، يُحتجز المدافعون عن حقوق الإنسان مع مدانين بأعمال إجرامية في العديد من السجون ومنها سجن الحائر في الرياض، وهو من السجون المكتظة جدا. يشكو المدافعون عن حقوق الإنسان فيه من محدودية أماكن النوم والعيش، ومن سوء ظروف الغذاء، وعدم كفاية الرعاية الطبية وغيرها من المخاوف المتعلقة بالصرف الصحي  في السجن. وثقت منظمة القسط في تقريرها (ملخص الحالة الحقوقية في السعودية للعام 2016) حصول حالة وفاة لسجين هو عبدالله العنزي إثر ضربة بحديدة في الرأس في سجن الحائر في 25 فبراير2016 وذلك إثر نشوب مضاربة جماعية بين أفراد عصابات لم يكن العنزي طرفا فيها .

المدافع عن حقوق الإنسان والعضو المؤسس لجمعية الإتحاد محمد العتيبي والذي أعادته السلطات القطرية قسريا إلى السعودية مؤخرا في 25 مايو 2017 ، ليتم اعتقاله ويخضع للمحاكمة على خلفية اتهامات متصلة حصرا بعمله بمجال حقوق الإنسان . نقلت مصادر مقربة حضرت الجلسة الخامسة لمحاكمة العتيبي في المحكمة الجزائية المتخصصة بالرياض والتي انعقدت في 12 يوليو2017، أن العتيبي لم يُمكّن طوال فترة الشهرين لاعتقاله من مراجعة الطبيب  لصرف دواء له عن آلام يعاني منها بسبب مشاكل في الكبد رغم  مطالبته بذلك طوال فترة شهر ونصف. كما حرم العتيبي من نظارته الطبية التي تخوله القراءة  والكتابة.

وليس بعيدا عن أعضاء الجمعيات المدنية، طالبت مجموعة من أبرز النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان في السعودية من خلال جمعيتهم التي أسسوها عام 2009، الجمعية السعودية للحقوق المدنية والسياسية (حسم)،  تشكيل حكومة على أساس الدستور، وسيادة القانون، والفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، والتمثيل الشعبي، ومساءلة الحكومة ودعووا إلى الإصلاح السياسي في البلاد . هؤلاء النشطاء كان مصيرهم حلّ جمعيتهم والإعتقال التعسفي  والمحاكمة  في المحكمة الجزائية المتخصصة  لمكافحة الإرهاب. أصدرت السلطات السعودية أحكاما تعسفية بحق الواحد تلو الآخر بالسجن لمدد طويلة . لم يتوقف استهدافهم عند هذا الحد، إذ اشتكى جميع أعضاء جمعية (حسم) الموجودين خلف القضبان من ظروف سجنهم والمعاملة التمييزية ضدهم. فهم مضطرون لتحمل اكتظاظ السجون في المملكة حيث يودع فيها أكثر من 300 سجين صُممت لإيواء 80 سجينا فقط . كل ذلك يترتب عليه آثار صحية متردية، سواء من كمية الطعام القليلة والنوعية المتردية، إلى افتراش الأرض دون مراتب أو بطانيات، مع اضطرارهم للاصطفاف في طابور طويل لقضاء حاجتهم. ويحتجز أعضاء الجمعية مع سجناء مدانيين آخرين، بما في ذلك السجناء الذين يقضون محكوميتهم على خلفية إدانتهم بارتكاب جرائم عنيفة. والجدير ذكره أن قواعد الحد الأدنى لمعاملة السجناء الصادرة عن الأمم المتحدة تشترط ضرورة  “الفصل بين مختلف فئات السجناء ضمن مؤسسات أو أقسام مختلفة من نفس المؤسسة مع الأخذ بالحسبان الجنس والعمر والسجل الجنائي والسبب القانوني الموجب لاحتجاز السجين والضروريات التي تقتضيها طريقة معاملتهم”.

وأعلن أربعة على الأقل من أعضاء جمعية (حسم) المسجونين إضرابا عن الطعام إحتجاجا على المعاملة السيئة التي يلقونها والظروف المتردية في الحجز والسجن. أعلن محمد البجادي أكثر من مرة إضرابه عن الطعام، وخلال هذه الفترات زُعم أن سلطات السجون كانت تجبره على تناول السوائل عبر الوريد على الرغم من معارضته، مما تسبب له بآلام في المعدة وفقد الكثير من وزنه. لقد حرم البجادي من الحصول على العلاج الطبي بعد أن طلب من السلطات الحصول عليه. كذلك قام الدكتور عبدالله الحامد والدكتور محمد القحطاني واللذان احتجزا في عنابر مخصصة لإيواء المجرمين، بالإضراب عن الطعام، لترد السلطات على هذه المحاولة بإيداع القحطاني في الحبس الانفراي. ومنذ ذلك الحين، نقل الحامد البالغ من العمر 69 عاما إلى عنابر أخرى مختلفة، اتسم مستوى النظافة العامة في بعضها بالتردي. أما الحامد، فيُحتجز في أحد أقسام السجن مخصص للسجناء من العمالة الوافدة الأجانب الذين لا يتحدث معظمهم اللغة العربية. وأعلن الدكتور عبد الرحمن الحامد إضرابه عن الطعام بعد أسبوعين من اعتقاله احتجاجا على توقيف غير مبرر واحتجازه بمعزل عن العالم الخارجي. ويذكر أنه كان يعاني من من مرض السكري وهو بحاجة للحصول على حقن مادة الإنسولين يوميا والخضوع لفحوصات دورية في المستشفى ومراقبة مستويات السكري لديه بالشكل المطلوب. ووفق ما أفاد به ممثله القانوني، تقاعست سلطات السجن أكثر من مرة عن نقله إلى المستشفى وامتنعت عن توفير حقنة الإنسولين في وقتها. يعاني الحامد حاليا من الصداع ومشاكل في البصر.

يدفع المدافعون عن حقوق الإنسان في السعودية ثمنا باهظا لمطالبهم في الإصلاح. فالسجن ليس نهاية العقاب الذي يتلقونه لتلك المطالب، بل هو مجرد حلقة تنقلهم إلى ما هو أبعد من الإنتهاكات الأساسية لحقوق الإنسان. سوء المعاملة والتعذيب وغياب الرعاية الصحية من كل جوانبها ووضعهم مع المجرمين والمرضى الحاملين لأمراض معدية كلها أساليب تحط من كرامتهم الإنسانية وهو ما يخالف بالحد الأدنى ما ينص العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية بالتحديد على أنه “ينبغي معاملة السجناء المحرومين من حريتهم بإنسانية واحترام الكرامة الكامنة للشخصية الإنسانية  .وفي عام 1955، وضعت الأمم المتحدة في قواعدها الدنيا النموذجية لمعاملة السجناء معايير تتضمن مبادئ توفير الرعاية الصحية أثناء الإحتجاز. وأقرّ المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة الـ 94 قاعدة الواردة في القواعد النموذجية الدنيا لحماية السجناء التي تحدد المتطلبات الدنيا للسجناء، وقد امتد في عام 1977 تطبيقها ليشمل السجناء المحتجزين دون أن توجه إليهم أية تهم، أي في أماكن أخرى غير السجون. كما وتنص المعاهدات والاتفاقيات المذكورة أعلاه على التزام سلطات السجن بتوفير ما يلي: أماكن معيشة آمنة وصحية لكل السجناء، حماية الأشخاص من العنف والإكراه، توفير خدمات الرعاية الصحية والأدوية الكافية  قدر الإمكان ودون مقابل،  تقديم المعلومات والتعليم الخاص بإجراءات الوقاية الصحية والأسلوب الصحي للحياة، تنفيذ إجراءات الوقاية الصحية الأولية، وسائل الكشف عن العدوى المنقولة جنسيا وعلاجها بغرض التقليل من مخاطر نقل فيروس نقص المناعة البشري، متابعة المعالجة الطبية التي بدأت خارج السجن أو إمكانية بدئها داخل السجن.

كما ينص العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على حق السجناء في أعلى مستوى يمكن بلوغه من الصحة البدنية والعقلية. وفي المقابل، تعاني العديد من السجون السعودية من ظروف مزدحمة للغاية. ولا تزال التقارير عن هذه الظروف مستمرة منذ سنوات عديدة. في عام 2009، نشرت صحيفة الجارديان تقريرا عن الأكاديمي والصحفي نياز أحمد يتحدث عن تجربته داخل السجون السعودية. ووصف أحمد الذي كان محتجزا  في منشأة في جدة مع 1500 سجين آخر في “قاعات تشبه المخازن بدون تكييف هواء ولا مراوح في ظل درجات حرارة تصل إلى 50 درجة مئوية [122 درجة فهرنهايت]”. وفي قضية أخرى،  توفي في أغسطس 2010 خمسة محتجزين بسبب الاختناق المزعوم بسبب الاكتظاظ  في مركز جيزان للترحيل. وفي عام 2012، أثار فيديو مسرب  تم تسجيله في سجن بريمان في جدة مرة أخرى مخاوف بشأن الاكتظاظ، حيث تبين أن السجناء يتكدسون إلى جانب بعضهم في كامل مساحة إحدى غرف السجن تقريبا. وفي مايو 2013، أقرّ رئيس الإدارة العامة للسجون، اللواء علي الحارثي، بأن السجون المركزية في الرياض ومكة وجدة قد تجاوزت قدرتها ثلاث مرات.

وفي ضوء المعلومات المبينة أعلاه، يبدو جليا أن وضع المدافعين عن حقوق الإنسان في المملكة العربية السعودية يتناقض مع أحكام “القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء” الصادرة عن الأمم المتحدة والتي تنص بوضوح في المادة (63) (1) على أن “تحقيق هذه المبادئ يتطلب إضفاء الطابع الفردي على العلاج، ولهذا الغرض يجب وضع نظام مرن لتصنيف السجناء في مجموعات”، حيث يفسر الهدف وفقا للمادة (67 / أ) والذي ينص على “ضرورة الفصل عن السجناء الآخرين الذين من المرجح أن يمارسوا تأثيرا سيئا بسبب سجلهم الجنائي أو بسبب شخصياتهم السيئة “.

ومن هنا كان لزاما على السلطات السعودية احترام التزاماتها الدولية وإسقاط جميع الملاحقات القانونية ضد المدافعين عن حقوق الإنسان، والسماح لهم بممارسة حقوقهم ومواصلة نشاطهم السلمي دون خوف أو محاكمة أو سجن، إضافة إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لتحسين أوضاع السجون بما يتلاءم والمعايير الدولية المعترف بها والتي لا تعرض سلامة السجناء للخطر .

 

سلمى الموسوي

14 يوليو 2017

منسقة البحوث والتوثيق في منظمة أمريكيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين