يبحث تقرير نُشر مؤخراً في الطرق التي تؤثر بها الأطر القانونية المحلية سلبًا على الحياد الطبي في جميع أنحاء العالم. تحت رعاية المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالتمتع بالحق في الصحة البدنية والعقلية على أعلى مستوى ممكن، أكمل باحثون في جامعة ساسكس وجامعة جون هوبكنز دراسة شاملة حول هذه القضية، ونشروا نتائجهم في يونيو 2018. يحدّد التقرير بعنوان “تجريم الرعاية الصحية” ثلاث طرق أساسية يتم من خلالها إساءة استخدام الأطر القانونية المحلية لاستهداف العاملين في المجال الطبي: من خلال تشريعات مكافحة الإرهاب، القانون العام، ومن خلال العقوبات الإدارية أو غيرها من الآليات التي تعمل خارج الأطر القانونية التقليدية.

يتمثل الاستنتاج الرئيسي للتقرير في أن الظهور السريع لقانون مكافحة الإرهاب في أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001 على الولايات المتحدة قد غيّر إلى حد كبير الميدان التي يعمل فيه المهنيون الطبيون. في الأساس، غالبًا ما تتضمن تشريعات مكافحة الإرهاب تعريفاً واسعاً وواسع النطاق للإرهاب، مما يسمح للسلطات بمقاضاة المهنيين الطبيين كإرهابيين لمجرد القيام بأعمالهم.

وفي محاولة لمنع الهجمات الإرهابية وردعها، يجرّم هذا التشريع عادة تقديم أي دعم للمنظمات الإرهابية. ومع ذلك، فإن المعايير المُستخدمة لتحديد ما يشكل “منظمة إرهابية” أو “توفير الدعم” غالباً ما تكون غامضة ومسيّسة. ويخلص التقرير إلى أن تشريع مكافحة الإرهاب يفشل في كل الأحوال تقريباً في وضع أحكام خاصة لضمان حماية الحياد الطبي، مما أدى إلى تبرير الهجمات على المهنيين الطبيين وسنّها من خلال الوسائل القانونية.

في العراق، على سبيل المثال، أدّى التشريع الذي يحظر تقديم المساعدة للإرهابيين إلى توجيه اتهامات ضد العديد من المهنيين الطبيين الذين واصلوا العمل في المناطق التي كانت تحتلها ما تسمى جماعة الدولة الإسلامية، أو داعش. وبالمثل في سوريا، فإن سلسلة من المراسيم التشريعية التي صدرت منذ اندلاع الحرب الأهلية قد صنفت بشكل فعال أي مجموعة تعارض النظام كمنظمة إرهابية وجرّمت تقديم الدعم لهذه الجماعات بأي وسيلة – بما في ذلك الرعاية الصحية. بالتالي، يتم اعتبار المنشآت الطبية والموظفين العاملين في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة على أنها أهداف مشروعة للقوات الموالية للنظام.

إن قوانين مكافحة الإرهاب سيئة الصياغة كهذه تجبر العاملين في المجال الطبي على مواجهة معضلة: هل يجب عليهم الالتزام بالمعايير الأخلاقية المنصوص عليها في القانون الإنساني الدولي والتي تم تدريبهم على اتباعها، أو الالتزام بالقوانين المحلية التي تحظر مثل هذا الإجراء؟

يشرح التقرير بالتفصيل كيف أثّر المناخ المناهض للإرهاب على فهم القانون الجنائي العام، حيث تتجه السلطات بشكل متزايد إلى تفسير التشريعات بطريقة تؤدي إلى معاقبة الأطباء. وأصبحت المصالح الأمنية المزعومة تُعطى أولوية متزايدة على حساب الحياد الطبي. قد تم اتهام عمال الرعاية الصحية أثناء العمل في العديد من الأوضاع بخرق القوانين المتعلقة بالتجمع غير القانوني أو الجمعيات غير القانونية. واجه نحو 48 من المهنيين الطبيين الذين عالجوا المحتجين خلال الانتفاضة المؤيدة للديمقراطية في البحرين عام 2011 وما تلاها تهماً جنائية، على سبيل المثال، حيث واجه بعضهم أحكاماً بالسجن لمدة تصل إلى 15 سنة.

ويشير التقرير أيضاً إلى أن العقوبات الإدارية وطرق أخرى غير قضائية تُستخدم لمعاقبة المهنيين الطبيين. وتشمل هذه الأساليب تخفيض الأجور، وإلغاء التراخيص، والإقالة، وتعليق العمل، والترهيب، والعنف الجسدي. وبحسب ما ورد، أقالت الحكومة التركية ما يصل إلى 20،000 طبيب قدموا الرعاية لأعضاء حزب العمال الكردستاني المحظور (PKK). كما يشير التقرير إلى إعدام خارج نطاق القضاء للأطباء في حلب الذين عالجوا مقاتلي المعارضة خلال النزاع السوري.

ويختتم التقرير بتوصية للدول لمراجعة تشريعات مكافحة الإرهاب، مضيفاً البنود التي توفر حماية خاصة للعاملين في المجال الطبي وإعادة تدريب الشرطة والجيش والمسؤولين الأمنيين وفقاً لذلك. وذكر المقرر الخاص للأمم المتحدة أنه يأمل أن يشجع التقرير الدول والأمم المتحدة على التفكير في طرق تحسين التشريعات المحلية حتى تستمر في خدمة مصالح الأمن العام مع الحفاظ على الرعاية الصحية.