منذ 70 سنة تقريبًا، تقدّم وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (UNRWA) مساعدات لإنقاذ حياة أكثر من خمسة ملايين لاجئ فلسطيني في لبنان وسوريا والأردن والأراضي المحتلة. تخصص الوكالة 17٪ من ميزانيتها من أجل الحفاظ على صحة اللاجئين والحد من عبء المرض. مع 143 مرفقاً للصحة الأولية، وأكثر من ثلاثة ملايين لاجئ يحصلون على الخدمات الصحية للأونروا (UNRWA)، وما يقرب من تسعة ملايين زيارة من المرضى سنوياً، تعتبر الوكالة ضرورية لصحة عدد لا يحصى من الفلسطينيين – القرار الذي اتخذته الولايات المتحدة مؤخراً بحدّ تمويل إلى الأونروا يعرض حياة الملايين للخطر.

وفقاً لتقرير حديث للبنك الدولي، فإن مثل هذه النكسة المدمرة للأونروا سيكون لها “تأثير شديد على قدرتها على توفير التعليم والخدمات الصحية والطرود الغذائية لأكثر من مليون شخص من سكان غزة”. في يناير/ كانون الثاني 2018، حجبت إدارة ترامب حوالي 305 ملايين دولار من التمويل ولم تقدم سوى 60 مليون دولار للأونروا. ونتيجة لذلك، أمضت الوكالة ثمانية أشهر تكافح من أجل الحصول على مساعدة مالية ولم تستطع الاستمرار إلا بعد تبرعات كبيرة، بما في ذلك 150 مليون دولار جمعتها قطر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية.

يتلقى جميع سكان قطاع غزة تقريباً الدعم من الوكالة. ويقال إن الأونروا تعمل جزئياً كحكومة فعلية في هذا المجال، وتشرف على معظم المدارس ومرافق الرعاية الصحية وغيرها من الخدمات العامة. في قطاع الرعاية الصحية، تقدم الأونروا كل من الخدمات الصحية الوقائية والعلاجية التي تتراوح بين الصحة الإنجابية ورعاية الأطفال والرُضع والصحة المدرسية، إلى الأمراض غير المعدية(NCDs)  والصحة النفسية وإعادة التأهيل والعلاج الفيزيائي، والعديد من الخدمات الأخرى.

وفقاً لتقرير الأونروا السنوي للصحة 2017، فإنه بحلول نهاية العام 2017، كانت نسبة 98.6٪ من النساء الحوامل المسجلات حديثاً محمية ضد الكزاز، وبلغت نسبة التغطية بعد الولادة نحو 95٪ من النساء الحوامل. وكشف التحليل الخاص بإنفاق الوكالة على الأدوية أنه تم إنفاق أكثر من نصف الميزانية على الأدوية لعلاج الأمراض غير المعدية. ويشير التقرير أيضاً إلى أنه بسبب ارتفاع معدل التغطية بالتطعيم لجميع الفئات العمرية، لم تُسجل أي حالات لتفشي الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات طوال عام 2017.

إن الوقف التام للتمويل الأمريكي سيجبر البرامج التي تم تطويرها وتمويلها بالكامل من قبل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية  (USAID) على التقلّص. ونتيجة لذلك، لن يعود من الممكن إحضار الأطباء إلى غزة لتأدية العديد من العمليات الجراحية المعقدة، بما في ذلك جراحات العين المعقدة. هذا سيوقف أيضاً تدريب الجراحين المحليين للعمل على الجفون، وهو تدريب غير متوفر عادة في غزة. كما سيتم منع الأونروا من تقديم المساعدة المالية للعمليات الجراحية. بالنسبة لمرضى السكري من النوع الأول البالغ عددهم 1،050 المسجلين لدى الأونروا، فإن التخفيضات في الميزانية السابقة تعني عدم توفير شرائط فحص السكر في الدم، مما سيجبر المرضى إلى تدبير حالتهم دون معرفة تفاصيل وضعهم الحالي. عادة، توفر عيادة الرمال، المدعومة من الأونروا، الأنسولين والمحاقن للمرضى الذين يعانون من مرض السكري من النوع الأول، لذلك يمكن أن تؤدي تخفيضات الميزانية إلى نقص في الأدوية اللازمة. علاوة على ذلك، ستؤدي تخفيضات التمويل إلى الحدّ من توفير قسائم غذائية للاجئين الفلسطينيين.

يتولى قسم خدمات الدعم المركزية التابعة للأونروا (CSSD) مسؤولية المشتريات والتوزيع وتوفير الخدمات اللازمة لدعم الفلسطينيين في جميع مناطق عمل الوكالة. تتكفل الأونروا بخدمات الصيانة والأدوية إلى جانب المعدات (بما في ذلك المعدات الطبية والمخبرية وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والنقل). كما تتعاون الأونروا مع وكالات الأمم المتحدة الأخرى لشراء الوقود للمولدات والسخانات. في الآونة الأخيرة، أصدرت الأمم المتحدة تحذيرات بأن كل من المستشفيات وخدمات الصرف الصحي قد تواجه عمليات إغلاق كاملة في غزة إذا لم يتم تمويل وقود المولدات من خلال الدعم الدولي. إذا استمر نقص الوقود، سيواجه القطاع الصحي في غزة مرة أخرى انتكاسات شديدة، مثل تأجيل العمليات الجراحية الاختيارية وتخفيض 80٪ من خدمات التنظيف والطعام والتعقيم.

في أعقاب قرار الولايات المتحدة بقطع التمويل، أعلنت الأونروا أنه لن يتم تجديد عقود 1000 من موظفيها في قطاع غزة. ويشمل ذلك إنهاء برنامج الصحة العقلية، الذي يعمل فيه 430 شخصًا. يوظف قطاع الرعاية الصحية وحده أكثر من 3000 موظف، كما تم إنهاء عقود بعض الموظفين العاملين في قسم الصحة في الأونروا المسؤول عن مساعدة الأطفال الذين يعانون من صعوبات في النطق والسمع. بحسب أمل البطش، نائب رئيس نقابة موظفي الأونروا، فإن هذه “القرارات الغير عادلة” سيكون لها تأثير سلبي على جميع الخدمات المقدمة للاجئين والذين يعملون لدى الأونروا، وعلى أسرهم، من حيث حالتهم النفسية، بالإضافة إلى تدهور الأوضاع المعيشية في غزة.

تؤدي تخفيضات الميزانية إلى تفاقم العوائق القائمة التي يواجهها الفلسطينيون للحصول على الرعاية الصحية. تقوض أزمة الكهرباء المستمرة في غزة ونقص الطاقة نظام الرعاية الصحية ويجعل من الصعب للغاية حصول المرضى على الرعاية الصحية الازمة. وعلاوة على ذلك، فإن نظام التصاريح المعضل قد حد من قدرة مرضى السرطان في غزة على تلقي المتابعة الطبية المتخصصة مثل العلاج الكيميائي.

يدرك المدافعون عن الحياد الطبي (DMI) أن قرار الولايات المتحدة بوقف التمويل للأونروا هو انتهاك للجمعية العامة للأمم المتحدة، القرار 302  (IV) من العام 1949، الذي يضمن تقديم المساعدة إلى اللاجئين الفلسطينيين، وقد يمثل خرقًا للقانون الدولي. ندعو المجتمع الدولي إلى دعم الأونروا في خضم هذا النقص في التمويل من خلال توفير الأدوية اللازمة لجميع المصابين بالأمراض المزمنة وتزويد المرافق الطبية بالوقود اللازم لتأدية وظائفها.