في يوليو/تموز 2017، توفّي محمد السايس البالغ من العمر خمس سنوات في قطاع غزة بعد ابتلاعه لمياه ملوثة أثناء السباحة في مياه البحر الملوثة بالصرف الصحي. بحسب ما ورد فقد نُقل عشرات آخرون إلى المستشفيات بعد سباحتهم في مياه بحر غزة خلال شهري يوليو/تموز وأغسطس/آب 2018، بمن فيهم إخوة محمد. سلّط هذا الحادث الضوء على المخاطر الصحية الشديدة المرتبطة بالأزمة المزمنة في موضوع المياه والصرف الصحي في غزة.

لا تقتصر أزمة تلوث المياه المتزايدة في غزة على الحالة السيئة لمياه بحرها. تعتبر جميع مياه الشرب تقريبًا غير صالحة للشرب بسبب تلوثها بمياه الصرف الصحي أو مستويات الملوحة العالية. إن نقص المياه النظيفة للاستخدام المنزلي، الظروف الصحية غير الآمنة، واستهلاك المياه غير الصالحة للشرب، كلها تشكّل تهديدًا خطيرًا للصحة العامة للمليوني فلسطيني الذين يعيشون في قطاع غزة.

لا يمكن فصل أزمة المياه في غزة عن التعقيدات الشديدة في الحصول على الطاقة. نقص الكهرباء والوقود يؤدي إلى تفاقم أزمة المياه والصرف الصحي الحالية. لا يتم تنظيف المياه ومعالجتها وتحليتها وإعادتها إلى المنازل والمستشفيات بشكل صحيح بسبب النقص الحالي في الكهرباء. لهذا السبب، اعتبر تقريرٌ للأمم المتحدة أن قضايا المياه والصرف الصحي تشكل مصدر قلق رئيسي، وخلُصَ إلى أنه وبحلول عام 2020 سيكون قطاع غزة غير قابل للسكن.

تعود قضية المياه في غزة إلى سببين رئيسيين: عدم الوصول إلى مياه آمنة وفيرة للإستخدام المنزلي، ومرافق الصرف الصحي غير الكافية. إن الوصول إلى مياه آمنة في غزة محدود للغاية مما أدى إلى انخفاض في كل من استهلاك المياه ومعايير النظافة. يتلقى نصف سكان غزة تقريباً مياهً صالحة للاستخدام المنزلي لمدة تتراوح بين ستة وثمانية ساعات فقط كل أربعة أيام؛ ثلث آخر يتلقى المياه لمدة ثماني ساعات كل يومين.

كانت مشاكل المياه في غزة أزمة متكررة منذ فرضت إسرائيل حصارًا جويًا وبريًا وبحريًا على القطاع الساحلي عام 2007 لضغط الحكومة المُعدّة من قبل حماس. إن القيود التي فرضتها إسرائيل على دخول مواد البناء، قطع الغيار، والمعدات إلى قطاع غزة تعقّد عملية إصلاح البنى التحتية التالفة الخاصة بالصرف الصحي، مما يؤدي إلى تركها مهملة وبظروف سيئة في أغلب الأوقات. هناك ما يصل إلى 23 من أدوات المياه والصرف الصحي الأساسية مثل المضخات، معدات الحفر، والمواد الكيميائية المطهرة على قائمة “الاستخدام المزدوج”، مما يعني أنه لا يُسمح بدخولها إلى غزة إلا على أسس انتقائية. مع عدم قدرة اللجوء إلى أي مكان آخر في منطقة تعاني من ندرة المياه، تجتذب غزة معظم مياهها من البحر و تقوم بتحويل مياه الصرف الصحي الى نفس المصدر. بينما تلبي إسرائيل احتياجاتها من المياه المحلاة، وتبني  أكبر محطة تناضح عكسي في العالم على بعد 30 ميلاً فقط شمال غزة، تفتقر المرافق المماثلة في غزة إلى الكهرباء لتشغيلها بكامل طاقتها. بالتالي هذا يترك المياه المستخدمة من قبل سكان غزة غير معالجة بنسبة كبيرة. حوالي 22% من الآبار في غزة تنتج المياه بتركيزات ملح مقبولة فقط. أما البقية فهي تترواح بين مرتين وثماني مرات أكثر ملوحة مقارنة بالمعايير العالمية، مع تجاوز بعض الآبار المعيار الرسمي لمنظمة الصحة العالمية (WHO). تضع الملوحة العالية أهالي غزة في خطر حصى الكلى و مشاكل المسالك البولية.

إضافة الى ذلك، فإن شبكات معالجة مياه الصرف الضعيفة تزيد من احتمال انتقال المرض من خلال مسببات الأمراض المنتقلة عن طريق المياه. بسبب نقص الكهرباء، يتدفق نحو 110 مليون لتر من مياه المجارير غير المعالجة أو المعالجة بشكل سيئ إلى البحر كل يوم. يزداد خطر الإصابة بأمراض منتقلة عن طريق المياه مع ابتلاع مياه ملوثة ببراز الإنسان أو الحيوان. يمكن أن يكون تلوث البراز مصدراً للبكتيريا المسببة للأمراض (مثل الكوليرا والسالمونيلا والشيجيلا) والفيروسات (مثل شلل الأطفال). يمكن أن تؤدي الملوثات الناتجة إلى أمراض الإسهال وغيرها من الأمراض المرتبطة بالمياه، بما في ذلك تشنّجات المعدة، القيء، الحمى والتهابات المسالك البولية.

وفقاً لليونيسف (UNICEF)، فإن المياه الملوثة في غزة مسؤولة عن 26% من الأمراض في المنطقة، وإن  50% من أطفال غزة الذين تتراوح أعمارهم بين ستة أشهر وخمس سنوات يعانون من العدوى الطفيلية المرتبطة بالمياه. كل طفل في قطاع غزة معرض لخطر الإصابة بالأمراض المنتقلة عن طريق المياه. يمكن لهذه العدوى، إلى جانب الإسهال المزمن، أن تؤثر بشكل كبير على نمو الطفل، وعلى قدرة الطفل على امتصاص المغذيات، مما يؤدي بالتالي إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية لدى الأطفال.

بالإضافة إلى ذلك، سيكون للنقص العام وسوء حالة المياه المتاحة آثار شديدة في حصول الفلسطينيين على الخدمات الطبية والرعاية الصحية وجودتها. ان الملوحة العالية للمياه المتوفرة في غزة تؤثّر سلباً على خدمات الرعاية الصحية مثل عملية غسل الكلى التي تعتمد على المياه النقيّة.

إن القرار الأمريكي الأخير بوقف تمويل أونروا (UNRWA) هو نكسة أخرى لحل أزمة المياه في غزة. يشرف برنامج الصحة البيئية الخاص بالأونروا على جودة مياه الشرب من خلال توفير خدمات الصرف الصحي كما يضطلع بعمليات مكافحة ناقلات الأمراض والقوارض في مخيمات اللاجئين، مما يقلل من خطر الأوبئة. خلال نزاع عام 2014، عندما دمرت الأعمال الحربية مرافق حساسة، وتوقّف تدفق المياه إلى معظم مناطق غزة، كانت الأونروا تنقل المياه مرتين يومياً إلى أكثر من 90 مدرسة تابعة لها، التي لجأ إليها ما يقرب من 300,000 فلسطيني حتى انتهاء العنف. عندما ناضل سكان غزة للحصول على المياه النظيفة في صيف عام 2017، استجابت ال أونروا من خلال التعاون مع منظمة الإغاثة الإنسانية “ميرسي كوربس” (Mercy Corps) في مشروع لتوفير ثلاثة لتر من مياه الشرب على الأقل في اليوم الواحد للّاجئين ال 30,000 في مخيم المغازي الذي سجّل أعلى نسبة حالات إسهال.

وفقاً ل إتفاقية جنيف الرابعة (المواد 27-34 و 47-78) و  إتفاقيّاة لاهاي لعام 1907 (المواد 42-56)، يجب إجبار إسرائيل، كالسلطة المحتلة، على احترام القانون الدولي ويجب أن تضمن معايير النظافة الكافية والصحة العامة، كذلك توفير الغذاء والرعاية الطبية للسكان تحت الاحتلال. يعيق الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة عملية دخول مواد البناء اللازمة لإصلاح شبكات توزيع المياه والبنى التحتية للصرف الصحي. ندعو إسرائيل إلى السماح بوصول هذه المواد، إلى جانب معدات الصيانة اللازمة والوقود اللازم، لاستعادة شبكات المياه المتضررة وتنفيذ مشاريع جديدة لشبكات مياه الصرف الصحي والبنى التحتية.