إنّ الاستخدام الواسع والمنتظم للإهمال الطبي كأداة للعقاب هو مشكلة مستمرة في البحرين. بدأت حملة القمع، التي شنّتها الحكومة على السجناء السياسيين البحرينيين في خلال مظاهرات البحرين للمطالبة بالديمقراطية في عام 2011. وبالفعل، في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 2011، أفاد مركز البحرين لحقوق الإنسان أن 500 شخص من سجناء الرأي كانوا وراء القضبان، ممّا جعل البحرين الدولة الأولى عالميًا في عدد السجناء السياسيين. كما أعربت جماعات حقوق الإنسان الأخرى، مثل منظمة العفو الدولية، عن مخاوفها بشأن عدد السجناء السياسيين، وعن قلقها إزاء عدم وجود رعاية طبية كافية في سجون البحرين.

يتّسم نظام الرعاية الصحية في السجون البحرينية بحالات منتظمة من الإهمال، والتأخر في الرعاية، والممارسة التعسّفية للسلطة، والتي تتزامن مع سوء المعاملة، مما يؤدي إلى عدم وجود رعاية كافية للسجناء. وقد ساهم هذا الفشل في توفير الرعاية الصحية الكافية للمحتجزين في تدهور صحة هؤلاء الذين يعانون من إصابات أو أمراض مزمنة خطيرة، فضلاً عن التعذيب.

سجن جو

باعتباره سجن البحرين الأساسي، بلغ عدد السجناء في مركز جو لإعادة التأهيل والإصلاح (سجن جو) 2500 نزيل مسجّل رسميًا، مما جعله يستوعب 15% أكثر من طاقته. وفي حين يكتظ السجن بالسجناء، هناك نقص حاد في موظفي المرافق الطبية فيه. هناك طبيبان فقط، كلاهما ممارسين عامين ومناوبين، وما يصل إلى ثلاثة موظفين طبيين فقط في الخدمة في أي وقت. إنّ السجناء، الذين يحتاجون إلى رعاية متخصصة للأمراض التي تتطلب إدارة طبية قريبة، مثل جراحة الأسنان، وفقر الدم المنجلي، والتصلب المتعدد، أو السرطان، من الضروري أن تتم إحالتهم إلى مرافق طبية أخرى، بما أن سجن جو لا يملك أجهزة التشخيص الضرورية مثل أجهزة الأشعة السينية أو الأطباء المتخصصين. ومع ذلك، غالباً ما يُحرم هؤلاء السجناء من الإحالة. بدلاً من معالجة كل المشاكل الصحية بشكلٍ كافٍ، تقوم العيادة الموجودة في سجن جو عادةً بوصف مسكّنات الألم الشائعة وإعطائها من دون وصفة طبية لكل مريض، بما في ذلك الطفح الجلدي وعسر الهضم.

أحمد مرزا اسماعيل

أُلقي القبض على أحمد مرزا إسماعيل في 11 أيلول/ سبتمبر 2013 وهو يعاني من فقر الدم المنجلي، مما يعرضه لخطر الإصابة بالإلتهاب والسكتة الدماغية. لاحظ طبيبه الخاص أن حالته خطرة وتتطلب الدخول إلى المستشفى لتلقي العلاج. وعلى الرغم من ذلك، أجبره مسؤولون في سجن جو على التنازل عن حقه في نقله إلى المستشفى في الموعد المحدد وفي تلقّي العلاج.1

في صيف عام 2017، هدّد حراس السجن إسماعيل بالاعتداء الجسدي والحبس الانفرادي إذا لم يوقّع أوراق تلغي موعده. كان إسماعيل في حاجة إلى عملية إزالة المرارة منذ تموز/يوليو 2016 بسبب الحصى الصفراوية المزمنة – وهو أحد المضاعفات الشائعة لفقر الدم المنجلي. أدّى ذلك إلى مضاعفات صحية حادة في كانون الأول/ ديسمبر 2016، عندما انخفض تركيز الهيموغلوبين في دم إسماعيل إلى مستوى خطير وتم تشخيص حالته باليرقان. وقد أُدخل المستشفى في كانون الثاني/ يناير 2017 ، وكانت تلك آخر مرة يتلقى فيها دورة علاج في المستشفى. منذ خروجه، لم يتلق أي رعاية متخصصة أو مسكّنات للألم ولفقر الدم المنجلي.

الياس فيصل الملا

ألقي القبض على الياس فيصل الملا، 27 عاماً، في 11 أيار/ مايو 2012 وهو يعاني من المرحلة الثالثة من سرطان القولون. وعلى الرغم من أنّ عائلته قد طلبت مرارًا تحديثات بشأن حالته الصحتة، إلا أنّها لم تتلقى أي شيء. في آذار/ مارس 2015، ورد أن الملا قد تعرّض لاستنشاق الغاز المسيل للدموع أثناء احتجاج قوبل بالعنف في سجن جو، مما أدّى إلى تقلّصات شديدة في المعدة. توقف عن طلب زيارة العيادة بعد أن ذكر أن قوات الأمن والطبيب قاموا بضربه في بطنه عندما طلب منهم العلاج الطبي. وعلى الرغم من دخوله المستشفى بسبب التقيؤ الدموي في 1 آب/ أغسطس 2015، رفضت إدارة السجن بعد شهرين كشف تقاريره الطبية لعائلته. وبعد ثمانية أسابيع، تم الكشف عن أنّ الملا كان مصابًا بسرطان القولون في المرحلة الثالثة، مع انتشار جزئي في الجهاز الليمفاوي.2

على الرغم من مرضه، قام الضباط بنقله إلى سجن جو في نفس الشهر الذي تم تشخيصه وبعد أقل من أسبوع من خضوعه لخزعة من القولون. واحتُجز هناك طوال فترة تلقّيه العلاج الكيميائي في عامي 2015 و2016، بينما تم تأجيل مواعيده في المستشفى وإلغائها بشكل تعسّفي. انتظر الملا تلقّي علاجاته الطبية منذ آب/ أغسطس 2018، بينما يزعم المسؤولون في عيادة السجن أن الأخطاء الفنية أدت إلى تأخير العملية. وحتى أوائل شهر سبتمبر/أيلول، لم يتلقى الملا علاجه بعد.

محمد علي جعفر

محمد علي جعفر، الذي كان مصاباً بمرض التصلب المتعدد (MS) قبل اعتقاله، أفاد أيضاً عن عدم تلقيه العلاج. ومنذ احتجازه في عام 2014، طلب جعفر إجراء فحوصات سنوية للتصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) يتم وصفها عادة للمرضى الذين يعانون من حالته، ولكنه لم يتلقاها بعد.

رضا ميرزا مشيمة

تم اعتقال رضا ميرزا مشيمع، 30 عاماً، في 4 آذار؟ مارس 2014، وأفاد بأن الضباط ضربوه على الوجه، والأذنين، والرأس. وأدى هذا الضرب إلى تفاقم إصابة سابقة في يده، وكسر أسنانه، وتسبّب في آلام شديدة في الرأس والظهر. كما قام الضباط بضرب رأسه 3بالحائط وإدخال أشياء حادة في أذنه، ممّا تسبّب في فقدان السمع في إحدى الأذنين. وفي أثناء سجنه في جو، طلب رضا الحصول على الدواء بسبب العديد من الإصابات الناجمة عن التعذيب، لكن حراس السجن رفضوا ذلك باستمرار. بالإضافة إلى الضرب والتعذيب، قام المسؤولون بإساءة معاملته شفهيًا وإخضاعه لساعات في الحبس الانفرادي كعقوبة.

كما أبلغ سجناء ومحتجزون آخرون عن حرمانهم من الرعاية الطبية الكافية. ومن بينهم أحمد عبد الله العرب الذي حوكم بينما كان لا يزال قاصرًا. ويزعم أن المسؤولين ضربوه في وقت اعتقاله في عام 2015. وهو يعاني الآن من ألم حاد في الظهر يمنعه من الوقوف أو الجلوس بشكل مريح. وقد نصح طبيب في عيادة السجن بضرورة نقله للقيام بصور أشعة ضرورية للتشخيص والعلاج، لكن هذا لم يحدث بعد. وبالمثل، أظهر محمد ميرزا موسى علامات على صحة جيدة قبل احتجازه، لكنه يعاني الآن من آلام مزمنة في الظهر بسبب الضرب المزعوم بعد احتجازه في عام 2011. وقد قال الطبيب أنّه بحاجة إلى فراش طبي لم توفرها إدارة سجن جو.

ظروف الصرف الصحي السيئة في سجن جو

تنتهك الظروف في سجن جو المعايير الدولية للاحتجاز. يتم ابقاء السجناء في أماكن شديدة الاكتظاظ وغير صحية، حيث يوجد في بعض الغرف في المباني حشرات ومراحيض مكسّرة. إنّ حالات الأمراض الجلدية والحساسية مألوفة جدًا. كان كل من محمد علي جعفر وأحمد ميرزا إسماعيل يعانيان من تفشيات جلدية بسبب البيئة غير النظيفة. في تشرين الأول/ أكتوبر 2017، أصيب السجين سيد أحمد رضا حميدان، بعدوى في العين بسبب سوء الأوضاع الصحية في السجن. 

سجن النساء في مدينة عيسى

إنّ مركز مدينة عيسى لتوقيف النساء هو مركز احتجاز النساء الوحيد في البحرين. وقد وصفت المحتجزات أنّ الوضع في هذا المركز متوتر دائمًا، الأمر الذي يؤثّر على حالتهن العقلية. إنّ الظروف الصحية سيئة، بخاصة فيما يتعلق بقضايا صحة المرأة. إنّ الحمامات الوسخة وعدم قدرتهن على استعمال المراحيض دائمًا قد ساهم في زيادة عدد الإصابات في التهابات المسالك البولية. وبينما تحتوي كل خلية سجن على 10 أسرَّة، تفيد التقارير أنه في بعض الأحيان يتم تعيين أكثر من 15 امرأة في خلية واحدة. وتتعرض سجينات مركز مدينة عيسى للمضايقات اللفظية اليومية، والإساءة الجسدية، والتهديدات بالاعتداء الجنسي من قبل حراس السجن.

هاجر منصور حسن

4هاجر منصور حسن، 49 عاماً، سُجنت انتقاماً لنشاط زوج ابنتها المنفي سيد أحمد الوداعي، ولم يُسمح لها بالحصول على سجلاتها الطبية ولم تحصل بعد على تشخيص كتل الثدي على الرغم من طلباتها المتكررة بذلك. في 16 أيلول/ سبتمبر 2018، اعتدى حراس سجن مدينة عيسى على هاجر وزملائها في الزنزانة. وهي تعاني منذ ذلك الحين من انخفاض خطير في مستوى السكر في الدم وكان لا بدّ من إدخالها إلى المستشفى. إلّا أنها تُركت حالتها عمدًا، واحتجزت في الحبس الانفرادي لعدة ساعات على الرغم من وضوح الكدمات من جرّاء الاعتداء.

فوزية مشعل حاجي

تم اعتقال فوزية مشعل حاجي، 56 سنة، منذ كانون الأول/ ديسمبر 2017 بتهمة إيواء الفارين. وهي تعاني من حالات صحية خطيرة، بما في ذلك مشاكل مزمنة في القلب، وانخفاض ضغط الدم، والربو، والدوار، وضيق في التنفس، وخفقان القلب، وألم في الصدر، والعديد من مشاكل في الجهاز الهضمي متعلّقة في المعدة والقولون. في 11 آذار/ مارس 2018، فقدت وعيها في أثناء f3ccdd27d2000e3f9255a7e3e2c48800_839وجودها في الحجز ونقلت إلى العيادة في منشأة وزارة الداخلية المعروفة باسم القلعة. تلقّت العلاج لساعات قليلة فقط قبل أن تم إعادتها إلى السجن. وفي 22 أيار/ مايو، فقدت وعيها بسبب انخفاض مستوى السكر في الدم. وفي فترة احتجازها، لم يتم تقديم بعض الأدوية التي كانت تأخذها. وقد أبلغت عن حالات مختلفة من المضايقة والترهيب. وقد أخافها سائق تابع لمديرية التحقيقات الجنائية (CID)، المسؤول عن نقل السجناء إلى المستشفيات، بتعمّد قيادة السيارة بتهور. كما هدد المسؤولون فوزية عندما طلبت علاجاً لأسنانها. وأخبروها أن تختار بين “قبول الألم وتوقيع بيان لرفض علاج الأسنان” أو “سحب أسنانها”. وبالرغم من أنّها عرضت أن تدفع ثمن علاجها، مشيرة إلى عدم توفر العلاج المناسب في السجن البحريني، إلا أن إدارة السجن رفضت عرض عائلتها بدفع ثمن العلاج.

الإستنتاج والتوصيات

كطرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إن دولة البحرين ملزمة قانوناً باحترام وحماية وتنفيذ مبدأ “حق كل فرد في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة البدنية والعقلية”. تنص القاعدة 24 من قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد مانديلا) على أن “توفير الرعاية الصحية للسجناء هو مسؤولية الدولة” و “يجب أن يتمتع السجناء بنفس معايير الرعاية الصحية المتوفرة في المجتمع” دون تمييز. ووفقاً للقاعدة 27 من قواعد مانديلا، يجب نقل السجناء الذين يحتاجون إلى علاج متخصص إلى مؤسسات أو مستشفيات متخصصة عندما لا يكون هذا العلاج متاحًا في السجن.

إن عدم توفير الرعاية الصحية الكافية للسجناء ينتهك الحظر المطلق للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، التي تشملها المادة 7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والتي تعتبر البحرين طرفًا فيها أيضاً.

إنّ التمييز ضد السجناء السياسيين والتدخل في توفير الرعاية الصحية ينتهك مبادئ عدم التدخل وعدم التمييز من الحياد الطبي. يدعو المدافعون عن الحياد الطبي (DMI) المسؤولين في السجون البحرينية وفي جميع مراكز الاحتجاز الأخرى في البحرين إلى الالتزام بالقوانين وبالمعايير الدولية لحقوق الإنسان في معاملتهم للمحتجزين والسجناء. كما ندعو البحرين إلى اتخاذ تدابير فورية للوفاء بالتزاماتها في مجال حقوق الإنسان اتجاه جميع المحتجزين لدى الدولة، وإلى وضع ممارسات تضمن توفير الرعاية الطبية للسجناء. وبالإضافة إلى ذلك، تحثّ DMI المسؤولين على توفير العلاج الطبي اللازم لجميع المحتاجين، والتحقيق في ادعاءات التعذيب والمعاملة السيئة من جانب موظفي السجون ومحاسبة المسؤولين عن أعمالهم غير القانونية.