1. خلفية

غالباً ما يتم إهمال الصحة العقلية ووصمها في الدول العربية. ويُعتبر الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات أو أمراض نفسية “مجانين”، ولا تؤخذ ظروفهم بجدية ولا يُعاملون كما يجب. إنّ وجود هذه الهشاشة الاجتماعية فضلًا عن عدم توافر الرعاية الصحية العقلية، يمنع الأشخاص المتضررين من السعي للحصول على العلاج. ووفقاً لما ذكره رئيس الجمعية الطبية السورية الأمريكية السابق (SAMS)، الدكتور زاهر سحلول، لم يكن هناك سوى حوالي 100 طبيب نفسي مسؤولون عن 22 مليون شخص يعيشون في سوريا قبل بداية الحرب. بالمقابل، لم يكن هناك سوى 815 سريراً للمرضى المصابين باضطرابات نفسية في المستشفيات والمرافق لـ24 مليون شخص في اليمن.

في الآونة الأخيرة، هناك حاجة متزايدة للرعاية الصحية النفسية في البلاد التي دمّرتها الحروب والصراعات، مثل سوريا واليمن والعراق والأراضي الفلسطينية المحتلة. يتعرّض السكان في هذه الدول والمجتمعات في كثير من الأحيان إلى ضغوط شديدة – ويرجع ذلك أساسًا إلى العنف، وعدم توافر الغذاء والطاقة، ولا سيما الرعاية الصحية. سواء كانوا من العاملين في مجال الصحة أو مرضى مصابين بأمراض عقلية أو بدنية، أو مواطنين بحالة جيدة، فإن التعرض لمثل هذه الأعمال العدائية يجعلهم أكثر عرضة لتدهور صحتهم العقلية من متوسطة إلى حادة. إنّ أمراض الإكتئاب، والقلق، واضطراب الإجهاد اللاحق للصدمة (PTSD) تصيب عادة البالغين والأطفال في المجتمعات التي دمّرتها الحروب. على سبيل المثال، أعلن برنامج غزة للصحة النفسية (GCMHP) أنّ 51٪ من الأطفال و31٪ من البالغين في قطاع غزة عانوا من اضطراب ما بعد الصدمة في 2015.

نناقش في هذا التقرير تكرار الهجمات على مرافق الصحة العقلية والعاملين فيها، مما يحدّ بشدة من تأمين الرعاية الصحية اللازمة. كما تناقش تأثير الصدمات البدنية على وضع المرضى. أخيرًا، يتم تقييم المخاطر التي تفرضها وظائف وواجبات العاملين الصحيين على صحتهم العقلية الخاصة.

  1. الهجمات على مرافق الرعاية الصحية العقلية

في سوريا، كان الحصول على المساعدة النفسية شحيحًا حتى قبل بداية النزاع. ووفقاً لتقدير الاحتياجات المتكاملة في سوريا (SINA)، فقد فرّ 15000 طبيب سوري – أي ما يعادل 50% من العدد الإجمالي للأطباء – من البلاد في عام 2013. ويقدر الدكتور زاهر سحلول من خلال الاستقراء أنه لا يوجد سوى 50 طبيب نفسي متبقٍ في سوريا لتقديم العلاج لجميع السكان.

في عام 2013، تعرض مستشفى ابن خلدون للطب النفسي، وهو أحد المرافق الطبية العامة الثلاثة المكرّسة للصحة العقلية في سوريا، لأضرار بالغة بسبب القصف. أجبر الهجوم العنيف الأطباء على الفرار وترك المرضى بمفردهم، دون طعام أو ماء. هرب بعض المرضى إلى شرق حلب، ممّا أدّى إلى وفاة اثنين من المرضى بنيران قناصة. وقد تم إيواء المرضى الذين بقوا في المستشفى المدمّرة من قبل منظمة خيرية في منطقة مساكن هنانو في حلب، إلا أنهم لم يكونوا مؤهّلين لتقديم الرعاية للمرضى النفسيين. كما تعرّضت عيادة الأمراض العقلية للشيخوخة، دار العجزة، التي هجرها معظم موظفيها قبل عام، للقصف ولكن  الأضرار كانت متوسطة فقط.

ونتيجة لذلك، فإن مستشفى الأمراض النفسية الوحيد الذي بقي في سوريا كان مستشفى ابن سينا في دوما، وهو خارج دمشق. ومع ذلك، فإنها تعمل بقدرة محدودة بسبب المخاوف الأمنية في أعقاب المواجهات العسكرية بين الحكومة السورية والقوات المسلحة للمعارضة الإسلامية. افتتح مركز ابن رشد لإساءة استعمال المواد المخدّرة جناحًا في علم الأمراض النفسية لتغطية النقص في الرعاية الصحية النفسية في البلاد، لكن قدرته محدودة بـ 51 سريراً و30 استشارة في اليوم. إنّ هذا المركز لا يؤمن إلا جزء من الحاجة الوطنية.

في كانون الأول / ديسمبر 2014، قامت منظمة الصحة العالمية (WHO) بترميم مرافق ابن رشد وابن خلدون للصحة العقلية، بالإضافة إلى جناحين للأمراض النفسية يقعان في مستشفيات المواساة والعافية العامة. يقدر أن حوالى 11000 شخص يعانون من اضطرابات عقلية متوسطة إلى شديدة يستفيدون من خدمات الرعاية الصحية كل عام. ومع ذلك، في عام 2016، أدت التفجيرات التي تعرضت لها مدينة حلب إلى إلحاق أضرار معتدلة بمرفق ابن رشد ومعداته الذي تم تجديده.

تعرّض مستشفى ابن سينا للطب النفسي في دوما للقصف ثلاث مرات خلال عامين. وفي أيار/ مايو 2017، تعرضت للهجوم الشديد، وقُتل على الفور خمسة أشخاص داخل المستشفى. تمت مهاجمة المستشفى مرة أخرى في أوائل شباط / فبراير 2018، ولكن القذائف لم توقع أي ضرر للمبنى. هوجمت المستشفى مرة أخرى في أواخر شباط/ فبراير. وفي هذه المرة، أصيبت بخمس قذائف هاون مباشرة، مما ألحق أضرارًا جزئية ببعض الأجنحة. كان المستشفى لا يزال يعمل، لكن من بدون طاقة كهربائية.

في اليمن، لم يكن هناك سوى ثلاثة مستشفيات للأمراض النفسية في عام 2014 قبل بداية النزاع. في تشرين الثاني/ أكتوبر 2015، أفادت منظمة الصحة العالمية أن مستشفى المظفر العقلي في منطقة تعز أصيب بأضرار جزئية بعد الهجوم عليها.

تضاءل تأمين الرعاية الصحية النفسية للمرضى النفسيين في العراق. ووفقاً لتقديرات منظمة الصحة العالمية لعام 2014، كان هناك حوالى 175 طبيب للأمراض وللإضطرابات النفسية ل35 مليون نسمة. يعمل الدكتور رضار محمد، وهو طبيب نفسي في أربيل، في ثلاثة مرافق مختلفة ويعالج 200 حالة في الشهر لتغطية نقص العاملين في الصحة العقلية في البلاد. وفي مقابلة معه، قال إنّ قدرة الطب النفسي في العراق ليست مستدامة، وأن هناك طلبًا على موظفي الصحة العقلية المؤهلين في المستشفيات والعيادات العراقية.

  1. تدهور الصحة العقلية للمرضى المصابين بأمراض جسدية

في البلدان التي دمّرتها الصراعات، غالباً ما يتم تقويض الحق في الصحة وغالباً ما يتم إعاقة توفير الرعاية الصحية الملائمة. وبالتالي، فإنّ المرضى المصابين بأمراض جسدية يحرمون من الحصول على العلاج، ممّا قد يؤثر سلباً على صحتهم العقلية.

في قطاع غزة، تعاني فتاة، اسمها مها وتبلغ عشرة أعوام، من شلل في الجزء العلوي من الجسم، ويعرف أيضاً باسم الشلل الرباعي. تسببت شظايا القنابل التي أصابت منزلها في تموز/ يوليو 2014 في إلحاق أضرار بالغة في عنقها وفي عمودها الفقري. بدأت مها علاجها في مستشفى الشفاء، ولكن تم نقلها إلى مستشفى آخر في تركيا بسبب النقص في العلاج المناسب. ولكن، إنّ السفر والوحدة في مستشفى في الخارج في سنّها قاسٍ جدًا. بعد فترة وجيزة من انتقالها، بدأت صحة مها النفسية تتدهور وعادت إلى أسرتها في غزة.

كما يصاب الأشخاص الذين يعانون من إعاقات جسدية من الاضطرابات العقلية المرتبطة مباشرة بحالتهم البدنية.

تقيّم مقالة بعنوان الحياة بعد صدمة البتر ذات الصلة بالصراع: دراسة سريرية في قطاع غزة” المخاطر الشديدة للاكتئاب والقلق واضطرابات النوم بين المدنيين الذين فقدوا أطرافهم بسبب النيران والقصف الإسرائيلي. إنّ عبد الرحمن نوفل، وعبد الله العنقر، ومحمد أبو حسين هم شبّان فلسطينيون تتراوح أعمارهم بين 11 و 13 عامًا. تم إطلاق النار عليهم جميعًا من قبل جنود إسرائيليين بالقرب من الحدود، وكانوا بحاجة إلى بتر أطرافهم عقب إصابتهم. من الصعب على مبتوري الأطراف في غزة الحصول على الأطراف الإصطناعية، لأنها مكلفة وغالباً ما تتطلب مزيداً من العمليات الجراحية للتكيّف مع الجذوع المتبقية للأطراف الإصطناعية. ومن المرجّح أن يبقى عبد الرحمن وعبدالله ومحمد محصورين على عكّازهما وكراسيهما المتحركة لبقية حياتهما. إنّ الثلاثة يعانون الآن من مضاعفات نفسية وهم بحاجة جدًا لإعادة التأهيل.

في اليمن، تعرّض طفل يدعى خالد، ويبلغ من العمر 12 عاماً، بغارة جوية أصيبت حافلة مدرسته، ممّا أدّى إلى إلزامه بكرسي متحرّك لبقية حياته. وأفادت المعلومات أنّه الناجي الوحيد بين أصدقائه. منذ الهجوم، يعاني خالد من الاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة.

يتعرض اللاجئون أيضاً لخطر شديد للإصابة باضطرابات عقلية مرتبطة بالقلق. إنّ اللاجئون السوريون الذين يعانون من الفشل الكلوي المزمن ليسوا قادرين دائماً على تحمّل تكاليف جلسات الغسيل الكلوي في لبنان والأردن، بحيث أن التكاليف المرتفعة لا تغطّيها بالكامل منظمات مثل مكتب الأمم المتحدة للمفوض السامي لحقوق الإنسان (OHCHR) والجمعية السورية للوافدين الطبية (SEMA). وبالتالي، فإن هؤلاء الأشخاص يعيشون في حالة خوف وقلق شديد. إن وقف غسيل الكلى يؤدي إلى ازدياد نسبة الاكتئاب والأرق.

  1. الصحة النفسية للعاملين في مجال الرعاية الصحية

إن وظائف الأطباء والممرضين والمناوبين تضعهم تحت ضغط كبير ومتوتر، وبخاصة في أوقات الصراعات عندما تكون حالات الطوارئ كثيرة. فهم يواجهون نفس القدر من الشدة الذي يعاني منه المواطنون الآخرون. ومع ذلك، يستمرون في تقديم المساعدة للآخرين.

أطلقت اللجنة الدولية للصليب الأحمر برنامجًا بعنوان “مساعدة المساعدين” في عام 2015، يهدف إلى توفير رعاية صحية بدنية وعقلية كافية للعاملين الصحيين. ووفقاً للجنة الدولية للصليب الأحمر، تشمل حماية الرعاية الصحية أيضاً توفير الرعاية الصحية النفسية الكافية للعاملين الصحيين في الخطوط الأمامية. نفّذت وزارة الصحة في غزة البرنامج محليًا لصالح عمال الطوارئ التابعين لهم، الذين يتعرضون بشكل متكرر لحالات الطوارئ وللإصابات والوفيات. أعلن العاملون الصحيون في غزة أنهم انخفض شعور القلق لديهم بشأن وظائفهم بعد التدريبات.

في اليمن، دفع تكثيف الصراع بقية العاملين الصحيين إلى مغادرة البلاد. إنّ اليمني محمد الخليدي، وهو طبيب نفسي وأخصائي في الأمراض العصبية، يعاني من صدمة متناقلة مرتبطة مباشرة بمهنته. تحدث الصدمة بالإنابة عندما يتعرض مستشار ما في الغالب لخوف وألم وإرهاب ضحايا أحداث مؤلمة. أمّا أعراضها فهي أعراض اضطراب ما بعد الصدمة ذاتها.

عانى الأطباء والممرضون السوريون من الصدمات النفسية بسبب الهجمات العديدة على مرافق الرعاية الصحية التي يعملون فيها. معظمهم اليوم يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة، وهم قلقون للغاية في مكان عملهم. وقد صرّح الدكتور تناري، مدير مستشفى سرمين الميداني في إدلب: “عندما أكون في المستشفى، أشعر وكأنني أجلس على قنبلة”. وقد أعلن موظفو الصحة السوريون الآخرون أنهم يشعرون بالاكتئاب بسبب تجارب المرضى المؤلمة الذين يعالجونهم.

معظم عمّال الإغاثة في سوريا هم في الغالب هم مواطنون وعادة ما يكونون نازحين داخليًا. إنّهم يعانون من قدر كبير من القلق بسبب وضعهم فيغرقون أنفسهم في العمل نتيجة لذلك. وبما أنهم يخصصون أوقاتهم للمرضى والضحايا فقط، فإنهم يميلون إلى عزل أنفسهم والحد من الإتصال بأصدقائهم وعائلاتهم.

  1. التوصيات

تؤثر الصحة العقلية تأثيراً شديداً على سكان البلد. ولذلك من المهم إجراء تقييم جاد لاحتياجات الصحة العقلية للمدنيين والعاملين الصحيين. سيوفر الأطباء والممرضات وعمال الطوارئ سليمي العقل والجسد رعاية أفضل للمحتاجين.

يقدّر المدافعون عن الحياد الطبي (DMI) قيمة حملة “مساعدة المساعدين” التابعة للجنة الدولية للصليب الأحمر، وندعو إلى تنفيذها في جميع البلدان التي دمّرتها الحروب. ستساهم الرعاية النفسية التي تستهدف العاملين في مجال الصحة في تقليل مستويات القلق لديهم وستساعد على التخفيض من التأثير الصادم لعملهم على صحتهم العقلية الخاصة.

ندعو لإنشاء وحدات للرعاية النفسية في جميع المستشفيات. إن الرعاية النفسية الفورية تقلّل من الصدمة المرتبطة بالجروح الوخيمة وبالتالي ستقلل من حاجة المريض لإعادة التأهيل المكثّف.

نحثّ وزارات الصحة في العراق واليمن وسوريا والأراضي الفلسطينية المحتلة على تحديد استراتيجيات الصحة العقلية الوطنية بشكل واضح وعلى تخصيص ميزانيات أكبر لوضع الاستراتيجيات موضع التنفيذ. كما تشجّع الوزارات على إجراء حملات توعية حول الصحة العقلية على المستوى الوطني لزيادة الوعي حول خطورة الموضوع.