1. مقدمة:

خلال السنوات السبع الماضية من الصراع في الحرب السورية الجارية حالياً، كان عام 2018 الأقل فتكاً بالمدنيين، فقد بلغ عدد القتلى 6,228 شخصاً بحسب ما أوردته الشبكة السورية لحقوق الإنسان (SNHR). ومع ذلك، فإن تناقص وفيات المدنيين لا يعني بالضرورة حدوث أي انخفاض في وطأة العنف. في الواقع، قد شُنّ أكثر من 20 هجوماً عسكرياً في مختلف المحافظات السورية، مثل دير الزور وإدلب ودرعا، في هذا العام. وحتى هذا اليوم، لا تزال هناك العديد من المؤسسات، مثل لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية، تسجل انتهاكات للقانون الإنساني الدولي ارتكبتها أطراف مختلفة في الحرب.

تعرّف منظمة الصحة العالمية الهجمات على الرعاية الصحية بأنها أي تهديد أو عنف يقيّد توافر وإيصال الخدمات الصحية. وتعتبر المنظمة تداعيات هذه الاعتداءات شديدة، لأنها لا تعرض حياة الموظفين الطبيين للخطر فحسب، بل تؤثر أيضاً على حياة الأشخاص الذين هم في حاجة ماسة للرعاية.

وقد قامت منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان (PHR)، وهي منظمة من العاملين في القطاع الصحي الذين يعملون في التحقيق عن تداعيات انتهاكات حقوق الإنسان على الصحة، بتوثيق 492 هجمة على المرافق الصحية السورية و847 حالة وفاة بين العاملين في القطاع الصحي السوريين، وذلك بين عام 2011 حتى نهاية عام 2017. فوفقاً لخريطة سوريا التفاعلية من إعداد PHR، إن عدد الوفيات من العاملين في المجال الطبي قد بلغ ذروته في محافظات ريف دمشق وحلب وإدلب.

في تقرير نُشر في مجلة النزاعات والصحة في أوائل عام 2018، قُيّمت الحرب الأهلية السورية على أنها أكثر الصراعات وحشية فيما يتعلق بالهجمات على الرعاية الصحية، مع أكبر عدد من الهجمات على المرافق الصحية والطواقم الطبية. وقد كشفت منظمة الصحة العالمية عن 156 هجمة تتعلق بالرعاية الصحية في سوريا خلال الربعين الأول والثاني من عام 2018. وقد تسببت هذه الاعتداءات بوقوع إصابات كبيرة، ومن ضمنها على أطباء ومرضاهم، مما أدى إلى وفاة 97 شخصاً وإصابة 165 آخرين. في النصف الأول من عام 2018، بلغت نسبة الاعتداءات على الرعاية الصحية في سوريا 67٪ من العدد العالمي للهجمات على الرعاية الصحية.

في سياق التهدئة الأخيرة التي شهدها الصراع، تغطي هذه الورقة مختلف الاعتداءات على الرعاية الصحية في سوريا، من حزيران/ يونيو وحتى أيلول/ سبتمبر 2018.

  1. الهجمات الرعاية الصحية
  1. حزيران/يونيو 2018

شهد شهر حزيران/يونيو 2018 أكبر عدد من الاعتداءات على مرافق الرعاية الصحية في سوريا، وذلك خلال الفترة الممتدة من شهر حزيران/يونيو وحتى أيلول/سبتمبر، إذ شُن 17 هجوماً على المرافق الطبية والدفاع المدني والهلال الأحمر، والتي تسببت في مقتل 13 عاملاً في المجالين الطبي والمدني.

وقعت معظم الهجمات وعمليات القتل في محافظتي درعا وإدلب، حيث شنت القوات المسلحة السورية وحلفاؤها الروس هجوماً عسكرياً على محافظة درعا في أواخر حزيران/ يونيو باستخدام القصف الكثيف والغارات الجوية في محاولة لاستعادة المناطق الجنوبية من متمردي الدولة الإسلامية (داعش). وقبل أسبوع من ذلك، كانت قد شنت القوات المسلحة الروسية غارات جوية على معاقل تنظيم الدولة الإسلامية في محافظة إدلب.

أسفرت الاعتداءات بقيادة الحكومة السورية على درعا عن 14 هجوماً على المرافق الصحية، والتي كانت تُعزى إلى القوات المسلحة السورية، وعن وفاة ثمانية من العاملين في مجال الصحة والدفاع المدني. وفي 28 حزيران/يونيو، دمرت القنابل الجوية والبراميل المتفجرة مستشفى الإحسان في درعا، الذي تدعمه الجمعية الطبية السورية الأمريكية (SAMS)، مما وضعه خارج الخدمة. كان مستشفى الإحسان لا غنى عنه في المنطقة، فقد قدم حوالي 15000 خدمة طبية و120 عملية جراحية شهرياً. كما أن الاعتداءات تسببت بمقتل اثنين من موظفي SAMS هما أسعد الزعبي، عامل في القطاع الطبي، وعلي الرفاعي، حارس أمن.

كان شهر حزيران/يونيو مهلكاً لفريق الدفاع المدني السوري، المعروفين أيضًا ب “الخوذ البيضاء”، فقد تعرضت منشآتها لسبعة هجمات أسفرت عن مقتل سبعة من عمالها.

  1. تموز/يوليو 2018

شهدت سوريا في تموز/يوليو انخفاضاً كبيراً بمستويات العنف المتعلق بالرعاية الصحية. مع استمرار العمليات العسكرية في درعا، هاجمت القوات المسلحة السورية والروسية منشأتين طبيتين، بالإضافة إلى هجوم على مستشفى الشهيد وليد خطاب في مدينة نوى أدى إلى تدميره بالكامل وبالتالي خروجه عن العمل جرّاء الصواريخ والبراميل المتفجرة. وعلى نحو مماثل، عانى مستشفى نوى الحكومي من أضرار جزئية وهو الآن متوقف عن العمل. كما أن الغارات الجوية قامت بقتل أحد عمال الدفاع المدني، سليمان المفعلاني، بينما كان يساعد الجرحى المصابين من قصف آخر. خشي العاملون الطبيون في نوى على حياتهم خلال استمرارهم في العمل تحت الهجوم. في مقابلة مع منظمة العفو الدولية، أعلنت ممرضة، من دون الإفصاح عن هويتها، أن المرافق الطبية غير آمنة للموظفين والمرضى وذلك لأن المستشفيات كانت “الهدف الرئيسي للحكومة”.

تم الإبلاغ عن هجوم ثالث على منشأة طبية في محافظة حلب عندما انفجرت قنبلة مزروعة في سيارة بالقرب من مستوصف جرابلس أسفر عن وضعه خارج الخدمة. كان هذا المركز الطبي آخر مستوصف عامل في حلب الشرقية حيث يزود المنطقة كاملة بالأدوية.

  1. آب/ أغسطس 2018

وفقًا للشبكة السورية لحقوق الإنسان، بقيت مستويات العنف المرتبط بالرعاية الصحية منخفضة نسبيًا خلال شهر آب/ أغسطس، فقد نُفذت ست هجمات ضد المرافق الطبية من قبل مختلف الأطراف المتحاربة وهجوم واحد على سيارة إسعاف، وكلها أسفرت عن أضرار طفيفة.

واحد من الهجمات يعزى إلى قوات التحالف الدولي، ففي معركة وقعت في خضم معقل لداعش في محافظة دير الزور، أطلق التحالف صواريخ بالقرب من مستوصف بويبدران الطبي في مدينة بوكمال.

كان النظام السوري مسؤولاً أيضًا عن وفاة طبيب وممرضة، فكان قد اختُطف الدكتور عبد الغفور إبراهيم خلاصي، أحد مؤسسي مستشفى الزرزور بحلب، في عام 2012 وتعرض للتعذيب حتى الموت عام 2018 على يد قوات الحكومة السورية في مركز للاعتقال. بقي مصيره مجهولاً لعائلته إلى أن تم العثور على اسمه في سجلات مدنية، وفاته مسجلة في السابع من آب/ أغسطس 2018. ويشير تقرير آخر من الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى أن 194 معتقلاً قضوا تحت التعذيب الذي مارسته قوات الحكومة السورية في آب/ أغسطس.

  1. أيلول/سبتمبر 2018

أعلنت القوات المسلحة السورية والروسية المتحالفة عن تحضيرها لهجوم وشيك على محافظة إدلب، آخر معاقل المعارضة والمتمردين في سوريا، في أوائل أيلول/ سبتمبر. نسقت الطائرات الحربية السورية والروسية الغارات الجوية وأطلقت قذائف عشوائية فوق المحافظة، مما أدى إلى إصابة مرافق الصحة والطوارئ. وأدى القصف الذي استمر ثلاثة أيام إلى تدمير مختلف خدمات الطوارئ، مما عطل جهوزية المنطقة للاستجابة إلى حالات الطوارئ.

وأفادت منظمة الخوذ البيضاء أن مركز للاستجابة لحالات الطوارئ التابع لهم في جنوب إدلب قد تم تدميره بالكامل عقب القصف بواسطة الطائرات الروسية في السادس من أيلول/ سبتمبر. لكن لم يسجل عمال الدفاع المدني أي إصابات بين موظفيهم وأشاروا إلى عدم وجود أضرار في معداتهم، حيث قاموا بإجلاء المبنى مسبقًا.

وثق اتحاد منظمات الإغاثة والرعاية الطبية (UOSSM)  الهجوم على منشأة للدفاع المدني أخرى في خان شيخون في محافظة إدلب. وقد توقف مركز الاستجابة عن العمل جراء القصف الذي أصاب أيضًا عاملين من الخوذ البيضاء. وبعد ذلك بيوم واحد، ضُرب نظام إدلب للإسعاف، الذي أنشأته مديرية الصحة الحرة في إدلب مما وضعه خارج نطاق الخدمة. نظام إدلب للإسعاف بدأ العمل منذ شهر حزيران/يونيو فقط، ومؤلف من سيارات إسعاف التي يصل عددها إلى حوالي الخمسين.

كما أنه تم استهداف مدينة حاس في إدلب في الثامن من أيلول/ سبتمبر، مما أدى إلى تدمير كامل لمستشفى نبض الحياة الواقع تحت الأرض. وقد أدى القصف إلى إلحاق أضرار جسيمة بهيكل المبنى وتدمير المعدات وسيارات الإسعاف، بالإضافة إلى إصابة طبيب وزائرين آخرين في أعقاب الهجوم. لكن لم تسجل أي حالات وفاة بين الموظفين أو المرضى.

وفي الوقت عينه، كان يتم شن غارات جوية على حماة من أجل محاربة المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في المحافظة. وقد تسبب القصف في هدم منشأتين طبيتين هما مستشفى اللطامنة الجراحي ومستشفى الدكتور حسن الأعرج الذي يقع تحت الأرض.

       3. استنتاجات وتوصيات

على الرغم من انخفاض معدل الوفيات في سوريا في صفوف المدنيين بين حزيران/ يونيو وأيلول/سبتمبر 2018، إلا أن التدقيق في مجريات هذه الفترة سيفضي بنتائج أبعد ما تكون عن التفاؤل، مع الأخذ بعين الاعتبار الانتهاكات الكثيرة للقانون الدولي الإنساني. وعلى الرغم من تورط جميع أطراف النزاع في تصاعد أعمال العنف، إلا أن قوات التحالف السورية والروسية قد ألحقت بأكبر نصيب من الأضرار، خصوصًا تلك الناجمة عن ضربات القوات المستمرة على المستشفيات ومرافق قوات الدفاع المدني.

يُنظر إلى الاستهداف المتكرر للمستشفيات في سوريا على أنه خطة حربية صممته القوات المسلحة السورية والروسية من أجل التسبب في نزوح مدني هائل. فتهدف الحكومة إلى “معاقبة” المدنيين المقيمين في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة بحرمانهم من الرعاية الصحية وإجبارهم على الخروج. فيسهل إخلاء هذه المناطق على التحالف السوري-الروسي النجاح في إبادة معاقل المعارضة وحرق جذورها الممتدة في المناطق المتضررة. ينتهك هذا التكتيك المعايير الدولية كافة، حيث ينص نظام روما الأساسي بوضوح على أن التشريد المتعمد للمدنيين يرتقي إلى مرتبة جرائم الحرب. ومع ذلك، فقد نفى المسؤولون السوريون والروس هذه الاتهامات، زاعمين أن المتمردين في سوريا استخدموا المستشفيات كقواعد عسكرية واستغلوا المدنيين دروعًا بشرية.

تدعو القاعدتان 28 و35 من القانون الإنساني الدولي إلى احترام وحماية المستشفيات، لذلك تعتبر الهجمات المتعمدة عليها جريمة حرب. تنص القاعدة 28 أيضاً بوضوح على أن المستشفيات تفقد حصانتها إذا تم استخدامها خارج وظيفتها الإنسانية. وقد احتفظ مستشفى الإحسان، ومستشفى الشهيد وليد خطاب، ومستشفى نوى الوطني، ومستشفى نبع الحياة، ومستشفى اللطامنة الجراحي، ومستشفى الدكتور حسن الأعرج، بصورتهم الإنسانية الأولية لذلك يمكن أن يعتبر استهدافهم جريمة حرب.

يعتبر كل من الاختطاف المتعمد وتعذيب وقتل الموظفين الطبيين من قبل الحكومة السورية، مثل حالات أسعد الزعبي وعلي الرفاعي وعبد الغفور إبراهيم خلاصي، انتهاك مباشر للقاعدة 25 من القانون الإنساني الدولي التي تدعو إلى حماية الأطباء والممرضين وجميع الموظفين الآخرين في المرافق الطبية وإلى احترامهم. كما أن الهجمات على العاملين في المجال الطبي والمرافق الصحية هي لخرق واضح لمبدأ عدم التدخل من الحياد الطبي.

تبنى النظام السوري موقفا عدائيًا بشكل سافر فيما يتعلق بمنظمة الدفاع المدني السوري، الخوذ البيضاء. فتتهمهم الحكومة بالارتباط بالجماعات الإرهابية مثل تنظيم الدولة الإسلامية، وذلك في محاولة لتشويه سمعة المنظمة وعملها. إنه من المعروف أن قوانين مكافحة الإرهاب في سوريا تشرع اعتقال الأفراد الذين يعتبرون إرهابيين أو مرتبطين بالإرهابيين وتعذيبهم وإعدامهم. ومع ذلك، فقد عملت منظمة الخوذ البيضاء على مد يد العون طوال السبع سنوات من الصراع في سوريا وعملت على التخفيف من وطأته على سكان المناطق التي تسيطر عليها المعارضة. باعتبارهم مدنيين يقومون بأعمال إنسانية، فإن الوضع القانوني لأفراد الخوذ البيضاء ما زال غير واضح، لكنهم يتمتعون بحماية القاعدة 31 من القانون المتعلقة بحماية العاملين في المجال الانساني والقاعدة 87 المتعلقة بالمعاملة الإنسانية للمدنيين.

يدعو المدافعون عن الحياد الطبي (DMI) الحكومة السورية إلى تحمل مسؤولية انتهاكاتها للقانون الدولي الإنساني. فوفقاً للمادة 158 من القانون الدولي الإنساني، إن الحكومة السورية ملزمة بالتحقيق في جرائم الحرب المرتكبة على أراضيها، فضلاً عن مقاضاة كل من يعتبر مسؤول عن حصولها.

ندعو المجتمع الدولي إلى إدانة جميع جرائم الحرب، لا سيما الهجمات على الرعاية الصحية التي ترتكب في سوريا، وإلى أن يكون أكثر صراحة فيما يخص تورط الحكومتين السورية والروسية في هذه الهجمات. نحن نشجع المجتمع الدولي أيضًا على أن يكون أكثر نشاطًا في الإسهام في تقديم المساعدات الطبية والإنسانية للشعب السوري وإغاثته.

لا يمكن للمجتمع الدولي إجبار سوريا على مقاضاة المسؤولين عن جرائم الحرب أمام المحكمة الجنائية الدولية (ICC)، علمًا أنها لم توقع على نظام روما الأساسي لعام 2002. ومع ذلك، يسمح الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة لمجلس الأمن بإحالة قضايا جرائم الحرب إلى المحكمة الجنائية الدولية، بغض النظر إذا ما كانت الدولة المعنية هي دولة موقعة. يحث المدافعون عن الحياد الطبي (DMI) الحكومة الروسية على التعاون مع باقي أعضاء مجلس الأمن والمجتمع الدولي بشأن محاكمة جرائم الحرب في سوريا، بما في ذلك الهجمات على الرعاية الصحية.

كما يدعو المدافعون عن الحياد الطبي مجلس الأمن إلى تمديد آلية إيصال المساعدات الإنسانية عبر الحدود وإلى ما وراء خطوط التماس في سوريا، والذي تنتهي مدته في 10 كانون الثاني/ يناير 2019.